علي الجارم / مصطفى أمين

132

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

وما ربة القرط المليح مكانه * بأجزع من ربّ الحسام المصمّم « 1 » فلو كان ما بي من حبيب مقنّع * عذرت ولكن من حبيب معمّم رمى واتقى رميى ومن دون ما اتّقى * هوى كاسر كفّى وقوسي وأسهمى إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدّق ما يعتاده من توهّم فإنه كنى عن سيف الدولة أولا بالحبيب المعمّم ، ثم وصفه بالغدر الذي يدّعى أنه من شيمة النساء ، ثم لامه على مبادهته بالعدوان ، ثم رماه بالجبن لأنه يرمى ويتقى الرمي بالاستتار خلف غيره ، على أن المتنبي لا يجازيه على الشرّ بمثله لأنه لا يزال يحمل له بين جوانحه هوى قديما يكسر كفه وقوسه وأسهمه إذا حاول النضال ، ثم وصفه بأنه سيى الظن بأصدقائه لأنه سيئ الفعل كثير الأوهام والظنون حتى ليظن أن الناس جميعا مثله في سوء الفعل وضعف الوفاء . فانظر كيف نال المتنبي من سيف الدولة هذا النيل كله من غير أن يذكر من اسمه حرفا . هذا ، ومن أوضح ميزات الكناية التعبير عن القبيح بما تسيغ الآذان سماعه . وأمثلة ذلك كثيرة جدّا في القرآن الكريم وكلام العرب ، فقد كانوا لا يعبّرون عما لا يحسن ذكره إلّا بالكناية ، وكانوا لشدّة نخوتهم يكنون عن المرأة بالبيضة والشاة . ومن بدائع الكنايات قول بعض العرب : ألا يا نخلة من ذات عرق * عليك ورحمة اللّه السّلام « 2 » فإنه كنّى بالنخلة عن المرأة التي يحبها . ولعلّ هذا المقدار كاف في بيان خصائص الكناية وإظهار ما تضمنته من بلاغة وجمال .

--> ( 1 ) القرط : ما يعلق في شحمة الأذن ، والحسام : السيف القاطع ، والمصمم : الذي يصيب المفاصل ويقطعها ، يقول : لم تكن المرأة الحسناء بأجزع على فراقي من الرجل الشجاع . ( 2 ) ذات عرق : موضع بالبادية وهو مكان احرام أهل العراق .